حدث مدهش
ومثير، ذلك الذي وقع فيبغداد يوم
الرابع عشر من هذا الشهر (ديسمبر 2008م) ولم يكن ذلك الحدث فيحقيقته الرمزية والمعنوية - في رأي غالبية المهتمين بالشأن السياسيوالفكري- سوى عملية اغتيال بكل ما للكلمة من معان وأبعاد، صحيح أنه اغتيالرمزي ومعنوي، لم تسفك فيه قطرة دم واحدة، إلاَّ أنه كان أبلغ- في تأثيرهوصداه- من كل الاغتيالات التي شهدها العالم منذ أقدم الأزمنة وحتى اليوم،فقد استطاع صحفي عربي شاب أن يغتال رئيس الولايات المتحدة الأمريكيةشخصياً، وعلى مرأى ومسمع من كل العالم، دون أن يستخدم في عملية الاغتيالهذه أي سلاح قديم أو حديث مكتفياً بفردتي حذائه لاغير، وبذلك يكون الحذاءقد سجل أول عملية اغتيال ليس في نوعها وحسب، وإنما في حجمها وأهميتها،فالذي تم اغتياله ليس أي إنسان، وإنما هو رئيس أكبر قوة غاشمة طال نفوذهاالعالم، وانتشرت أساطيلها البرية والبحرية والجوية في عموم الأرض، وصارتالشمس لا تغيب عن حرائق الحروب والفوضى التي تصنعها، لا سيما بعد أن غدتالفوضى في الآونة الأخيرة هواية خلاقة لدى إدارة هذه القوة الغاشمة، التيأوصلت العالم بأكمله إلى حافة الإفلاس واليأس.
وتشير قراءة الأحداث المتلاحقة في
عالم اليوم إلى أن "المرحوم" الرئيس
"جورج بوش" كان مكروهاً - عالمياً وأمريكياً- حد
الموت، من قبل أن تدخلقواته العراق، وقبل أن يقتل مليوناً ومائتي ألف عراقي، ويتسبب في تشريدخمسة ملايين من أبناء هذا الشعب الذي
تحولت أرضه إلى مقابر لها أول وليسلها آخر، وأصبح يسير عليها مئات الآلاف من الأيتام الذين قد لا تجدغالبيتهم العائل والمأوى، وبالنسبة لي
فلا يوازي كراهيتي لهذا الرئيس الذيتم اغتياله بفردتي حذاء سوى حبي للشعب الأمريكي، ولأبنائه
الذين استطاعواأن يَبْهروا العالم بحبهم للحرية وبقدرتهم على التعايش الرائع، وهم
خليطمن
الأجناس والألوان والأعراق، ولأنهم استطاعوا أن يقاوموا كل أشكالالعنصرية، وأن يختاروا رجلاً ملوناً من
أصول أفريقية ليكون رئيساً لهم،لذلك أحبهم وأحترم اختياراتهم، وأحزن أشد الحزن لابتلائهم في السنواتالأخيرة برئيس لم يترك وسيلة من الوسائل
القذرة إلاَّ واستخدمها، لإثارةالعداء والكراهية ضد الشعب الأمريكي بما ارتكبه هذا الرئيس من حماقاتومغامرات، ومن تشويه متعمد لمعاني الحرية
والديمقراطية وحقوق الإنسان.
لا عجب إذا أثار اغتيال كهذا بفردتي حذاء اهتمام العالم
وإعجابه، وإذا كانالبعض يرى أن فردتي هذا الحذاء حققتا وهما تحلقان في فضاء القاعة
المغلقةوالمعدة للمؤتمر الصحفي، نوعاً من الإيقاع الشعري الهامس والبديع ورأىفيهما الشعراء والرسامون صورة لحمامتي
سلام ضاقتا بصانع الحروب، ومؤججالكراهية فطارتا نحوه لتخليص العالم من شروره، وقد نجحتا تماماً، صحيح
أنهما
يزال يتحرك ويتكلم ويهدد ويتوعد، لكنه بالنسبة للعالم أصبح ميتاًمعنوياً ومادياً من قبل انتهاء مدة
رئاسته، والمؤلم أن اغتياله لم يحدثإلاَّ بعد أن ملأ العالم خراباً وبؤساً، وأغرق العراق
بالدم والصراعاتالطائفية والمذهبية، ولم يترك بلداً في العالم ليس فيه بقعة من الدم
نتيجةأحلامه
الامبراطورية الفاشية من جهة، وما أعلنه - من جهة أخرى- من حربهوجاء على ما يسمى بالإرهاب دون نظر في
الأسباب ويصعب عليه - الآن- أن يجدمن يدافع عنه، فقد حدث كل شيء سيئ في هذا العالم بتوجيهاته المباشرة أوغير المباشرة، أو بإيحاء حازم من إدارته
التي استولى عليها من يسميهمالأمريكان بالمحافظين الجدد، وهم قيادات لجماعات ضالة مهووسة باستعجالالقيامة.
كما تبقى في هذا الحديث إشارة لابد منها للرد على ذلك
النفر من العرب "المتحضرين جداً" والذين استنكروا أسلوب الاغتيال وذهب الغباء
ببعهضم إلىالقول بأن بوش كان ضيفاً على العراق، وتناسوا أن الصحفي الشجاع منتظرالزيدي يمثل المقاومة العراقية، وأن
بلاده في حالة حرب مع جنود طالماوضعوا أحذيتهم الثقيلة على وجوه العراقيين ورؤوسهم في صور تستعصي علىالوصف والحصر. كما أن بوش ليس سوى مجرم
حرب جاء إلى العراق لرفع معنوياتقواته المحتلة، ولتوقيع وثيقة إذلال واحتلال دائم لعراق العروبة
والبطولةوالفداء.
الشاعرة عائشة المحرابي في "أنين الياسمين": في مقدمته البديعة للديوان كتب الشاعر الكبير حسن
عبدالوارث كلمات تبعثالأمل وتعيد الدفء إلى نفوس الشعراء، من خلال رؤيته المتفائلة التي
تؤكدعلى
أن الشعر يزدهر ويتنامى ويعبر عن "حاجة الإنسان الماسة للجمال والخيالوالموسيقى واللغة". وبدوري أشارك
الصديق العزيز تفاؤله، وأرى أن تزايد عددالأصوات الشعرية النسائية من أبرز الأدلة على ما نذهب
إليه، وما الشاعرةعائشة المحرابي إلاَّ واحدة من رائدات هذه القافلة الرافدة للشعر،والمؤكدة على استمراره وتناميه.. الديوان
من إصدارات مركز عبادي للدراساتوالنشر.
تأملات شعرية: رائع ذلك الاغتيال كأن الفتى العربي الذي شنق الاحتلال بخيط من الجلد يكره لون الدماء. كان يعرف أن العراق غريق ببحر من الدَّم لا السيف يجدي مع المعتدين ولا البندقية لم يبق إلاَّ الحذاء.